الأحد، ١٨ مارس، ٢٠١٢

الفنان .. فيلم يرصد معاناة نجم السينما الصامتة جورج فالنتين

لم يستطع بصمته أن يهزم صوت تكنولوجيا
(الفنان) فيلم يرصد معاناة نجم السينما الصامتة جورج فالنتين



وليد الزهيري

توقع سيناريو فيلم الفنان (The Artist) الصامت ما يمكن أن يحلم به نجم السينما الصامتة في ثلاثينيات القرن الماضي جورج فالنتين عندما داهمته تكنولوجيا السينما الناطقة، كان ذلك خلال مشهد «الحلم» والرئيسي في الفيلم واستعان به المخرج ميشيل هازانفيشوس بالمؤثرات الصوتية لأول مرة في فيلمه «الصامت» لإبراز معاناة البطل الداخلية وأهمية الصوت كتكنولوجيا دخلت على صناعة السينما حينما سمع أصوات ارتطام أدوات حلاقته، رنين الهاتف، نباح كلبه، ضحكات فتيات مارة، وعندما حاول أن يتكلم أو حتى يصرخ حبس صوته.

يعرض حالياً في دور العرض بالكويت الفيلم الفرنسي (الفنان) وهو أمر نادر الحدوث، ومن النادر أيضاً أن يفوز فيلماً فرنسياً بجائزة أوسكار كأفضل فيلم.. بل استطاع الفنان أن يفوز بخمس جوائز أوسكار لعام 2012 من بينهم ثلاث جوائز رئيسية كأفضل فيلم، أفضل مخرج لميشيل هازانفيشوس، وأفضل ممثل لجان دوجاردان، كما فاز لودوفيك بورس بأوسكار أفضل موسيقى تصويرية والأوسكار الخامسة كانت للملابس.

فيرصد فيلم (الفنان) خمس سنوات فقط من حياة فالنتين بداية من عام 1927 وهو في أوج مجده وصولاً إلى عام 1929 حينما ظهرت السينما الناطقة وتدهور الحال به خلال السنوات التالية نفسياً واقتصادياً واجتماعياً حتى عام 1932 ولم يكن وفياً له خلال تلك السنون سوى سائقه كليفتون (جيمس كرومويل) وحبيبته بيبي ميلر (بيرينيس بيجو) وكلبه (أغي).

واستطاع مخرج وكاتب سيناريو الفيلم ميشيل هازانفيشوس أن يقدم فيلماً صامتاً في القرن الواحد والعشرين دون أن يُشعر المشاهد بالملل والرتابة مستعيناً بشيئين فقط هما الموسيقى التصويرية والصمت. لافتاً بهذا الفيلم أنظار العالم إليه بعد فوزه بجوائز أفضل سيناريو وإخراج من أكاديمية السينما البريطانية «بافتا» وأفضل مخرج من معهد السينما الأسترالية، وسيزار، والأوسكار لهذا العام.

وأجاد هازانفيشوس في توظيف أدواته الإخراجية مقدماً لغة سينمائية راقية مدركاً متى يغلب عنصر على عنصر، وبرع كذلك في إدارة فريق تمثيله وتحريكهم داخل الكدر ومن المشاهد التي برزت فيه براعته في استخدام أداة حركة الممثلين عندما التقى فالنتين بمنتج أفلامه ال زمير (جون جودمان) عندما واجهه بحقيقة أن السينما الناطقة تحتاج لوجوه جديدة، وخرج فالنتين غاضباً من مكتبه هابطاً على السلم والتقى على درجاته بالممثلة التي اكتشفها بيبي ميلر وهي صاعدة على سلم المجد.

واستحق الممثل جان دوجاردان والممثل المفضل للمخرج أن ينال جائزة مهرجان كان الفرنسي وجائزة بافتا البريطانية والأوسكار كأفضل ممثل بأدائه لشخصية جورج فالنتين مجسداً مراحل تطور الشخصية من الغرور والثقة المفرطة بالذات إلى الإحباط واليأس والانهيار .. وأول ما سمعناه من صوته كان وهو يلهث ويلهث من أجل العودة للحياة.

وجسدت زوجة مخرج الفيلم الممثلة بيرينيس بيجو دور الحبيبة والعاشقة بيبي مولر في صمت لمن وهبها سر نجوميتها عندما قال لها في بداياتها التمثيلية «إذا أردت أن تكوني ممثلة جيدة يجب أن يكون لديك شيئاً مختلفاً»، وهو يرسم لها «حسنة» أعلى شفتيها. وبالرغم من فوزها بجائزة سيزار كأفضل ممثلة إلا أن فوزها بالأوسكار كان صعب المنال في حضور ميريل ستريب التي جسدت دور (مارجريت ثاتشر) في فيلم المرأة الحديدية.

وتمكن مؤلف موسيقى الفيلم لودوفيك بورس أن يقدم موسيقى على مدار أحداث الفيلم تحاكي زمن الأحداث، متجاوزاً بموسيقاه غياب المؤثرات الصوتية وفي أحد المشاهد الهامة عندما حطم فالنتين أثاث غرفته وأشرطة أفلامه الصامتة استطاعت موسيقى بورس أن تعبر عن مفردات الصورة حتى نباح كلب فالنتين وصوت النيران التي أشعلها ملتهمة تاريخه الفني.

جدير بالذكر أن الكلب (أغي) الذي رافق فالنتين طوال أحداث الفيلم سيتقاعد عن التمثيل بعد حياة حافلة بالعمل في استوديوهات هوليوود، بالرغم من فوزه بجائزة الطوق الذهبي الأولى وسعفة الكلاب على هامش مهرجان «كان» الأخير.
وختاما إن فيلم الفنان صائد الجوائز والحاصل على 21 جائزة تم عرضه بالأبيض والأسود وصامتاً على الشاشة الفضية لمحاكاة واقع الحياة الصامتة التي عاشها جورج فالنتين مكتفياً بلغة الجسد والتواصل الحسي مع مشاهديه، كما أن الفيلم لم يؤرخ لحياة فالنتين فحسب بل عزف بمهارة بالغة على لحظات إنسانية صعوداً وهبوطاً تظهر تجلياتها بوضوح في حياة كل فنان।



-----------------------------
رؤية لفيلم "الفنان" على صفحات جريدة الوسط الكويتية

الاثنين، ١٢ مارس، ٢٠١٢

عملة واحدة

عندما أصبح في منتصف الطريق، وخزها كعادته:
ـ العربيات هتدوسنا!
ـ مبقاش مهم.

كانا يجلسان فوق ربوتهما الخضراء، يفترشان عشبها، يرتكن كل منهما على ظهر الآخر، يحيطان ركبتيهما بساعديهما، ينعكس ظلهما بجوارهما بنفس حجمهما من أثر شمس الشتاء الدافئة، يختلط حولهما صوت العصافير بضجيج السيارات المارة في نهر الطريق المؤدي إليه نهاية منحدر ربوتهما.

استهلت حديثها معه وهي تُشبك أصابع كفيها دون الإبهامين تحرك كل منهما في شكل دائري يحاول أحدهما اللحاق بالآخر:
ـ وحشتني.
ـ فعلاً.

عادت برأسها للخلف ملامسه أعلى فقرات ظهره ليداعب شعرها المتطاير ملامح وجهه.
ـ أيه موحشتكش؟

أجابها متجهماً:
ـ واضح من حرصك على لقاءنا!
ـ غصب عني.
ـ الحقيقة إنك مشغولة بمستقبلك.
ـ تفتكر إني وافقت بسهولة عليه؟ أنا عارفة إن ظروفك متسمحش تتقدم طيب قولي أنا أعمل أيه؟ بعد كل اللي رفضتهم .

صمتت لبرهة ثم تابعت بصوت خفيض :
ـ وده مفيش فيه عيب؟

نظر يساراً وجد خيالهما طال بما فيه ضعف حجمهما تقريباً:
ـ أنا مش بلومك، ولا حتى بلوم نفسي، الظروف كانت أكبر مني ومنك.
ـ ممكن نرجع أصحاب تاني؟
ـ حبيبتي.. مينفعش لإننا مكناش أصحاب أولاني.
ـ ليه بتعقد الموقف؟
ـ وأنت ليه بتبسطي الموقف؟

نظرت للسماء متأملة فضائها الرحب الذي لم يسع حبهما، وتوقفت عن ملاحقة إبهامها للآخر، وبصوت حاسم:
ـ متنكرش إنك بنيت لي قصور من الخيال وعيشتيني في الأوهام، غمضت عيني وطواعتك.. وساندت ضهري على ضهرك لما قولت لي إننا وجهين لعملة واحدة.. ملناش غير بعض ومش ممكن نفترق .. ولما فتحت عيني ملقيتش غير سراب.. دلوقت بتلومني علشان نزلت على أرض الواقع؟

ترقرقت عبرة حزن من عينيه مختلطة بالندم على ما فعله بنفسه وبها عندما أحس بحشرجة صوتها، لمح بطرف عينيه خيالهما وطوله الذي وصل حد الرصيف الحائل بين ربوتهما وسيل السيارات:
ـ بالرغم من إحساس الشجن وآلامه اللي تركت "ندبة" على جدار قلوبنا، إلا إننا استعذبنا وجعه رغم إدراكنا للنهاية المحتومة.

عاود النظر إلى خيالهما، وجده تعملق وازداد طولاً حينما أوشكت الشمس على المغيب॥ تذكر ما كانا يفعلانه في السابق وهما يهرولان بعيداً خوفاً على خيال حبهما.. وعندما أصبح في منتصف الطريق، وخزها كعادته:
ـ العربيات هتدوسنا!
ـ مبقاش مهم.
تابعت بعد صمت مطبق:
ـ صحيح أنت قولت لي إننا وجهين لعملة واحدة .. إنما نسيت تقولي إن وجهين العملة عمرهم ما بيشوفوا بعض.

نهضا، وتابعا كل منهما سيره في اتجاه غير الآخر.. دون أن ينظر أياً منهما خلفه.

الثلاثاء، ٢٤ يناير، ٢٠١٢

عين على جمعة الغضب

يرصد فيلم "عين على جمعة الغضب" جانباً بعيداً عن ميدان التحرير وهي الحالة المذرية التي أصبح عليها مبنى مكتبة المنصورة "المحترق" الذي استولى على جزء كبير منه الحزب الوطني الديمقراطي عام 1985 لتصبح مقره الرسمي في المنصورة، ويعود تاريخ إنشاء المبنى إلى عام 1918 عُرف قديماً باسم "استراحة الوالدة باشا" واستخدمته الملكة نازلي والملك فاروق كاستراحة ومرسى ملكي على ضفاف النيل.

تحول بعد ذلك إلى المكتبة الفاروقية، وبعد قيام ثورة يوليو 1952 تم تحويله إلى مكتبة عامة إلى أن استولى عليها الحزب الوطني. حتى تم إحراقه يوم 28 يناير 2011.

وكانت تحوي المكتبة 38 ألف كتاب من أمهات الكتب من بينها كتاب "وصف مصر" و263 مخطوطة ومن أكثر الأقسام تأثراً كان قسم المصاحف ومنها ماهو بخط اليد وماكتب بماء الذهب التهمته النيران، كما أن موسوعة المعارف البريطانية والفرنسية قد نهبت ومكتبة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد أيضاً ومكتبة المهندس المصري الأشهر في علم العمارة حسن فتحي.

وهذا ما آل إليه مصير المكتبة.





السبت، ٧ يناير، ٢٠١٢

أصلان أيضاً .. ودائماً

(1)
تعرفت عليه كمجرد اسم من خلال فيلم سينمائي مأخوذ عن نص أدبي له، أدركت حينها أنه مختلف، بعد سنوات رأيت مقالاً له خانتني الذاكرة حينها إن كان هو أم لا؟! تتبعت مقالاته॥ والتي في إحداها تكلم عن بطل روايته الفيلمية كشيء أشبه بالتتمة لما جاء ذكره من قبل، لهثت خلفه على الإنترنت متتبعاً خطوات صاحب رواية "مالك الحزين".

وجدت أن ما كُتب عن الكاتب الكبير "إبراهيم أصلان" أكثر مما كتبه هو، أصبحت كأحد مريديه متشوقاً لمقالاته الأسبوعية، تعرفت عليه عن كثب على مدار سنوات عبر مقالاته، رافقته في رحلاته المكانية (شرقاً وغرباً) والزمانية منذ أن كان طفلا إلى أن أصبح يافعاً بين رفاقه في إمبابة، لهوت
معه على شاطئ النيل، سرت برفقته مع الشيخ حسني بطل "مالك الحزين"، حملت عنه حقيبة البوسطة في أول أيام تعيينه بمصلحة البريد، عشت لحظات خوفه وخجله وتأثرت بدماثة خلقه، ناولته دواءه في مرضه، جلست على المقهى بجواره ولعبت معه الدومينو كنت قريباً له كظل شجرته التي في مكتبه.

أدركت محيط حياته وأصبح أصدقاؤه أصدقائي، حزنت لمن مات منهم وفرحت لنجاحاتهم، عرَّفته كذلك على أصدقائي وكل من حولي فلم يخلُ مجلساً لي إلا وكان حاضراً معي، ذكرته لمن يعرفه ومن لا يعرفه، تأثرت مثلما تأثر هو بالمهمشين، شعرت بأنَّاتهم ولمست أوجاعهم وداريت خذيهم، رأيت الناس من خلاله وأحسست بهم.

(2)
حضرت أثناء إقامتي بالكويت فعاليات الأسبوع الثقافي المصري الكويتي في مكتبة عبدالعزيز البابطين للشعر العربي العام الفائت، شارك خلالها الكاتب "جمال الغيطاني" بندوتين على يومين متتاليين، تناول في الأولى "كتاب وصف مصر" وأثناء خروج "الغيطاني" عقب ندوته من القاعة إلى "اللوبي" تبعته تاركاً مقعدي بالصفوف الخلفية، وكان يحاوره كثيرون من المتحلقين حوله يستزيدون من فيضه، ترقبته مسترقاً السمع محاولاً تنقية نبرات صوته من بين همهمات المتزاحمين وضجيج "الموبايلات"، لم تسنح لي الفرصة الاقتراب منه أكثر من ذلك كي أبوح له بما يجيش في صدري.
اتخذت مقعداً على مقربة من الصفوف الأمامية في اليوم التالي، وقال "الغيطاني" في ندوته الثانية التي كانت تحت عنوان "قاهرة نجيب محفوظ" أنه لم يخلص أديب لمدينة مثلما أخلص محفوظ للقاهرة، وأنها كحيز مكاني تعتبر حالة ثرية ثقافيا وتاريخياً وإنسانياً، لأن أحياءها تغوص بك في أعماق التاريخ بشكل أفقي من خلال أزمنتها المتجاورة، عقب الندوة كان الملتفون حوله أقل من أمس فدنوت منه بقدرٍ يسمح لي توجيه سؤال إليه:
- حضرتك بتشوف الأستاذ إبراهيم أصلان؟

باهتمام بالغ، هز رأسه مؤكداً:
- أيوه بشوفه.

نظرت في عينيه.. ونظر في عيني، فقدت النطق للحظات.. كسر حاجز الصمت بكلمة:
- هقوله.

ابتسمت له مبدياً امتناني!! رغم علمي أن "الغيطاني" لا يعرفني.


(3)
في إجازتي التالية قادماً من الكويت لقضاء شهر رمضان في مدينة الألف مئذنة، عقدت العزم على أن أسعى للقاء "أصلان"، ولم لا ألتقي بمن تذوق مرارة الغربة مثلما تذوقتها؟! لم لا أخبره بأنني هنا وأريد لقاءه؟! اتصلت بمكتب جريدة الحياة اللندنية في القاهرة بحي جاردن ستي:
- ألو، لو سمحت ممكن تحولني على مكتب الأستاذ إبراهيم أصلان؟
- الأستاذ مش موجود، في إجازة لنص رمضان.

أصابني الإحباط بعض الشيء:
- طيب متعرفش ممكن يكون فين الأيام دي؟
- لأ.
- طيب ممكن رقم تليفونه؟
- حضرتك مين؟
- أنا... لأ هو ميعرفنيش، بس أنا اسمي "وليد" جاي إجازة من الكويت ونفسي أقابله.
- آآه "سوري" والله مقدرش أعطيك رقم تليفونه.
- طيب هتصل على نص رمضان ممكن يكون رجع؟
- إن شاء الله، مع السلامة.

ذهبت إلى بعض المصالح الحكومية بوسط البلد متأففاً من بيروقراطية الموظفين الذين لم تتغير عقولهم الإدارية ممسكاً على صيامي، بعد انتهاء مواعيد عمل المصالح الحكومية أخذتني قدماي إلى جولة في بعض مكتبات وسط البلد بداية من مكتبة "عمر بوك ستورز" في أول شارع طلعت حرب ثم "مدبولي" و"الشروق" في الميدان، خرجت من تلك الجولة بصيد ثمين لبعض الكتب حملتها في كيس بلاستيكي وذهبت.

(4)
طال بي التسكع إلى أن وصلت إلى مقهى "ريش" العتيق الذي ضم بين جنباته مبدعي مصر على مدار قرن ونصف القرن من الزمان، مفكرين وكتابا وأدباء وشعراء، بل إن زلزال 1992 كشف عن ممر سري إلى سرداب المقهى به آلة طباعة كانت تستخدم لطباعة المنشورات السياسية بان الاحتلال البريطاني لمصر، ومن بين رواد "ريش" عم أصلان سمعت هذا كثيراً فيما قرأته منه وعنه.

خطوت خطوات داخل "ريش" الخالي في ذلك النهار الرمضاني إلا من منضدة يجلس عليها بعض الأجانب، وكان على يمين الباب مكتب
خشبي ذو طراز قديم بني قاتم، يجلس أحدهم خلف المكتب يراجع دفتراً أمامه وعلى المقعد المقابل له يجلس رجل يقترب من الستين، شعره الأبيض يلف رأسه من الأجناب فقط، ذو صلعة براقة ممتلئ قليلاً يرتدي قميصاً خفيفاً نصف كم فاتح لونه يتلاءم مع ذلك النهار القائظ،
وبنطالاً أسود يبدو الوقار على هيئته، يعد عملات ورقية فئة المائتي جنيه، توجهت بسؤالي إلى من يجلس خلف المكتب:
- السلام عليكم، من فضلك الأستاذ إبراهيم أصلان بيجي هنا والله؟
- إبراهيم، إبراهيم مين!

تدخل في الحوار من يجلس أمامه، بصوت ينم على أنه صاحب سلطان هنا.
- أيوه بيجي.
- متعرفش والله على الساعة كام بيمر؟

تطلع إلي من أعلى إلى أسفل، وتوقفت عيناه على الكيس البلاستيكي الشفاف الذي أظهر الكتب بداخله، معتقداً أنني أحد المهووسين بالمشاهير:
- لأ ملوش مواعيد.
- يعني ممكن إمته تقريباً؟

عاد بنظره إلى عملاته الورقية بعدما أنهى عدها وبرمها دائرياً إلى أن أصبحت بحجم السيجار.
- مفيش ميعاد محدد.
- متشكر، سلام عليكم.

مستمراً في عده وبرمه:
- وعليكم السلام.

(5)
عاودت الاتصال بمكتب جريدة الحياة بعد منتصف رمضان:
- ألو، الأستاذ إبراهيم رجع من الإجازة؟
- أيوه رجع.
- والله طب هو موجود؟
- لأ مش موجود، ثانية واحدة أديك رقم موبايله؟

انتفضت في سعادة بالغة صامتاً:
- أتفضل.
- رقمه ××××××××01
- متشكر جداً.


وفي المساء:
- ألو، الأستاذ إبراهيم أصلان؟

جاءني صوت رخيم هادئ استشعرت الطيبة في نبراته.
- أيوه، مين معايا؟
- أنا والله اسمي "وليد" مقيم في الكويت وحالياً في زيارة لمصر.
- أهلا وسهلا.
- سألت على حضرتك في "الحياة" وعرفت إنك رجعت من الإجازة.
- أيوه،
- حمد لله على السلامة، ممكن أستأذن حضرتك إني أشوفك.
- خير؟
- أبداً، والله بس أنا من قرائك ونفسي أتعرف على حضرتك.
- أوي أوي، الأربع بعد الضهر كويس؟
- كويس، ممتن جداً لحضرتك.
- مفيش أي حاجة.
- مش قادر أوصفلك سعادتي أد إيه إني سمعت صوت حضرتك.
- متشكر، متشكر.

(6)
قبل الموعد كنت على مقربة من جاردن ستي، طلبته في الموعد ولم ..كررتها مرات ومرات دون جدوى، عدت من حيث أتيت، وبعد الإفطار مساءً عاودت الاتصال:
- ألو "وليد" مع حضرتك، كنت اتصلت الصبح حسب موعدنا.
- أيوه معلش.
- لو تحب حضرتك ممكن أقابلك الليلة في أي وقت وأي مكان ملائم.
- ظروفي مش مناسبة اليومين دوول توفي صديق لي اليوم.
- الله يرحمه.
- طيب خلينا على اتصال الأسبوع الجاي.
- أي يوم حضرتك تحب؟
- مش هتفرق أي يوم.

مضت بضعة أيام وأوشك رمضان على الرحيل، طلبته في أسبوعه الأخير:
- ألو "وليد" مع حضرتك كنت كلمتك الأسبوع اللي فات.
- أيوه أهلا وسهلا.
- اتصلت بحضرتك لتحديد وقت ملائم للقاء.
- الحقيقة اليومين دوول مشغول جدا، عندي تكريم في "الشروق" والوقت صعب شوية، أنت كنت عاوز تقابلني ليه؟
- أبدا.. تلعثمت قليلاً، وصمت هو للحظات تاركاً لي المجال في محاولة منه أن يستنطقني.. بس كان نفسي أشوف حضرتك.
- خلينا على اتصال لما تسمح الظروف.
- إن شاء الله سلام عليكم.

(7)
مرت بضعة أيام وعاودت الاتصال مجدداً:
- أستاذ "إبراهيم" مع حضرتك "وليد".
- أهلا وسهلاً.
- معلش بعتذر لحضرتك مسمحتش الظروف إننا نتقابل، أنا في المطار راجع الكويت.

صمت للحظات.
- ظروفنا إحنا الاتنين مكنتش مناسبة.
- إن شاء الله تكون هناك ظروف ملائمة الإجازة الجاية.
- إن شاء الله.
- ربنا يديك الصحة ويخليك لنا.

ساد الوجوم قليلاً.
- متشكر يا "وليد" إن شاء الله نتقابل على خير.
- مع السلامة يا أستاذ.

انتهت المكالمة مع نهاية إجازتي .. سافرت مستعذباً مخالطة لساني للسانه.

---------------
إلى هنا انتهت القصة التي نشرت في مجموعتي القصصية الأولى "ليدي من وسط البلد" نوفمبر 2011

والتي لم أذكر بها السبب الحقيقي وراء إصراري على لقاء عم إبراهيم … وخشيت أن أذكره ربما تقع القصة في يديه ويعرف ما وددت أن أحتفظ به لنفسي حتى أرويه له وجهاً لوجه.
والآن … والآن يعني الآن في التو واللحظة سمعت خبر وفاة عم إبراهيم عن عمر يناهز 77 عاماً مع قدر من الديباجة التي تقال دائماً في مثل هذه الأحوال كلما فقدنا أحد..ومر الخبر زي أي خبر.

والآن أيضاً لم أعد قادراً على كتمان سبب إصراري على هذا اللقاء … يمكن عم إبراهيم يقدر يسمعني دلوقت ويعرف اللي كان نفسي أُقوله له:
ـ عم إبراهيم أزي حضرتك، إن شاء الله تكون في أحسن حال.
والله يا عم إبراهيم في جزء لم أذكره في الكلام المكتوب اللي فوق ده.
وهو إني بتابع مقالات حضرتك على الأهرام والمنشورة كل يوم تلات من سنة 2005، أه والله يا عم إبراهيم من 2005
ومفتنيش أي مقال من الوقت ده، وبقى قراءة مقالتك كل تلات أحد طقوسي الخاصة، حتى والله يا عم إبراهيم أول ما بدأت التدوين كنت محافظ على نشر "بوست" كل يوم تلات تيمناً وإقتداء بيك، لكن مع الأسف كان بيصادف في بعض الأوقات تحصل ظروف في الشغل تمنعني إني أقدر أقرا مقالك في نفس اليوم.
ولما كنت بدخل في اليوم التالي علشان اقرا المقالة على رواقة … كنت بلاقي أرشيف الأهرام غير مسموح به في الوقت ده إلا لمن يستخدم رقم معين للدخول على الإنترنت ومع الأسف أنا مقيم في الكويت وكان من الصعب علي الوصول لأرشيف الأهرام علشان أقرا جرنال امبارح.
وبعد كدة لما كان يصادف وظروف الشغل تمنعني أقرا مقالة لك كنت بدخل على الأهرام أخد "كوبي" وأنقله على "فايل وورد" علشان استمتع بقرايته في وقت تاني، وشوية بشوية يا عم إبراهيم ملف الوورد ده كبر أووي. وعلى مدار سنين تجاوز الـ 400 صفحة.
أه والله تجاوز الـ 400 صفحة، حضرتك تخيل دوول ممكن يكونوا كام أسبوع وكام مقال، وكام سنة .
وفي مرة من المرات وانا بضيف مقالة جديدة للمقالاتك لاحظت عدد الصفحات وطقت في دماغي فكرة مجنونة وقتها، وقولت إن شاء الله لما أنزل أجازة لمصر أنسخ نسختين من المقالات دي واحاول أوصلك علشان أطلب من حضرتك توقيعك على نسخة منهم وأحتفظ بيها لنفسي وافتخر بيها قدام أولادي وإني صاحب النسخة الوحيدة دي والممهورة بتوقيعك.
والنسخة التانية كان نفسي أقدمها لحضرتك … يمكن دأبي على جمعها يقولك أنا بحبك أد أيه يا عم إبراهيم.

لكن مع الأسف الظروف مسمحتش … زي ما أنت عارف.

مش عارف أقولك أيه والله

مع السلامة يا عم إبراهيم الله يرحمك
كان نفسي أشوفك أوي

الثلاثاء، ١٣ سبتمبر، ٢٠١١

في بر مصر

لم أكن مهتماً على متن أي شركة طيران أعود لبر مصر خلال السنوات الأخيرة، تعاملت مع شركات عدة سعيت خلفها من أجل الجدية في المواعيد، الخدمة المتميزة، والسعر الأنسب، كانت تلك هي معايير اختيار شركة الطيران.. اليوم وبعد 25 يناير عقدت العزم على العودة إلى مصر المحروسة على متن شركتي الوطنية مصر للطيران، متجاوزاً ذكرياتي الأليمة معها حينما تأخرت أخر رحلاتي عليها لأكثر من ثلاث ساعات في انتظار ممل وخدمات متردية.

وقفت في طابور طويل عريض لإنهاء إجراءات سفري، أشار الموظف المسئول في مصر للطيران على "كاونتر التشيك أوت" بطرف إصبعه لأحدهم الواقف بعيداً .. تابعت لمن هذه الإشارة كانت لرجل بدين يرافق أسرته.. بهذه الإشارة سلك وأسرته طريقاً مختصراً للوقوف أمام "الكاونتر" مباشرة، سمعت اثنان يتناجيان من خلفي يهمس الأول في أذن الثاني وهو يشير نحو الموظف المسئول وذلك البدين:
ـ الأتنين دول من الثورة المضادة!

أنهيت إجراءات سفري، وجلست في مقعدي بالطائرة مترقباً من سيرافقني رحلتي في المقعد المجاور لي.. أهل علي بسنواته الخمسين وشعره الأشيب، أمسك بكتاب أخرجه من حقيبته فور جلوسه منغمساً بين سطوره.. جذبني فضولي لمعرفة ما يقرأه، لمحت عنوان الكتاب عندما اتكأت برأسي فوق يدي وكان عنوانه "موسوعة تاريخ الإعلام السياسي في مصر".

أخرجت كذلك كتاب صديقنا عمر فؤاد لأتمم قراءته، يعتبر فؤاد أحد رفاق جلساتنا الثقافية التي نعقدها بين الحين والآخر في مكتبة "آفاق" بالكويت في معية الأب الروحي لهذه اللقاءات المدون أحمد البوهي وهو من هو في عالم التدوين، نلتقي كرفاق غربة واغتراب نتبادل الآراء والأفكار حول همومنا .. وهموم الوطن.

يتسم كتاب صديقنا فؤاد "عاد الوطن فإياك والبقشيش" بأنه حصيلة مجموعة مقالات نشرت تباعاً على موقع "السلطة الرابعة" مستعرضاً خلالها أحداث ثورة 25 يناير منذ بدايتها وحتى نهايتها، من أهم ملاحظاتي أثناء قراءتي لكتابه اليوم بأعصاب هادئة بعد زوال نظام أفسد الماء والهواء، أنني أعلم مالم يعلمه "الكاتب" وهو ينشر مقالاته اليومية .

رأيت فؤاد يكتب بانفعال وحماس اللحظة.. وخوفه على ثورة يخشى أن تنطفئ نارها بفعل مراوغات الرئيس بعد كل خطاب له، يكتب مقالاً كل يوم وهو لا يعرف ماذا سيحدث غداً !!! كان لهذا الإحساس أثناء القراءة لذة لا تضاهى، أشفقت عليه من توتره وخوفه على مستقبل طفلتيه ووطنه، وكم تمنيت أن أهاتفه حتى أقول له:
ـ أطمن يا عمر، مبارك أخد لقب الرئيس المخلوع :)

لمحت بعض الوجوه في الطائرة مشرقة فرحة بالعودة للمحروسة كل منهم يرتدي أجمل ما لديه في عيد المغتربين متهيئاً لاحتضان كل ما هو مصري.. فالإجازة بالنسبة للمغترب عن وطنه عيد ممتد يختلف عن عيدي الأفطر والأضحى يسعى خلالها للاستمتاع حتى موعد عودته من حيث آتى.

تابعت على الشاشة التي أمامي في الطائرة خريطة للوطن العربي كاملاً رُسم عليها خط سير الطائرة وهي كائن صغير يحلق فوقه، تأتي بعد ذلك صورة لخريطة أقرب والطائرة تشق طريقها فوق الجزيرة العربية يتبعها صورة أخرى أكثر تحديداً لطائرتنا وهي فوق إحدى المدن العربية، قرأت أسفل الشاشة المسافة التي قطعناها والارتفاع عن سطح البحر ووقت الوصول المتوقع، مرت بجواري المضيفة تدفع عربة أمامها ممتلئة بالجرائد اليومية، تلقفتها من بعيد مهللاً:
ـ الأهرام لو سمحتي.

حدث ذلك المشهد منذ سنوات في أخر رحلاتي على مصر للطيران، حيث كانت عناوين الأهرام آنذاك " مبارك: هدفنا في المرحلة الحالية المواطن محدود الدخل.. لابد من وصول الدعم لمستحقيه، 35 ألف فرصة عمل لمحاربة البطالة، 750 ألف وحدة سكنية للمتزوجين حديثاً، معدلات التنمية في ازدياد مضطرد.. السلع التموينية متوفر في الأسواق"، تأففت حينها من عناوين تفوق كذب "أبولمعة".

أما اليوم بعد 25 يناير تخلو الأهرام من تمجيد الرئيس المخلوع.. وحملت عناوينها "جمعة "الثورة أولاً" توحد القوى السياسية، الإخوان والسلفيون يتراجعون عن المقاطعة.. وجميع ائتلافات الشباب تشارك، مطالب القصاص للشهداء، وتطهير الحكومة تنتزع الأولية من "الدستور أولاً".

وخذني المضيف بكلماته لو سمحت المنضدة، سألني: تشرب أيه؟ بعدما وضع الإفطار أمامي، تابعت الشاشة لمعرفة أين نحن الآن أثناء شربي للشاي "علشان أحبس".. وكانت طائرتنا تحلق فوق "شرم الشيخ" نظرت من النافذة أسفل مني وجدتها مدينة لا تكاد أن ترى من فرط ضئالتها هي ومن كان فيها.

عند ملامسة عجلات الطائرة أرض مطار القاهرة صفقت طفلة في الخامسة من عمرها وهي تهتف "هيييييييييييييه" انطلق بعدها تصفيق حاد لكابتن الرحلة على هبوطه النموذجي، نهضنا جميعاً من مقاعدنا رغم التحذير بعدم النهوض حتى تستقر الطائرة في مكانها، عندما فتح الباب تنسمت هواء قاهرة المعز قبل أن أراها، وددت حينها أن لا أخرج زفيري محتفظاً بالمحروسة بين ضلوعي.

انطلقنا مهرولين لإنهاء إجراءات الوصول، قبل 25 يناير.. كنت أرى عند مغادرة الطائرة عشرات يحملون لافتات كُتب عليها أسماء بعض أصحاب الحظوة من الركاب لإنهاء إجراءات وصولهم سريعاً، بعد 25 يناير.. اثنان فقط يحمل كل منهما لافته عليها اسم أحد الواصلين مردداً اسمه بصوت مرتفع:
ـ محمد بيه.

يتبعه الآخر كأنه صداه:
ـ الأستاذة ألفت.

التقت عيني بعين من يبحث عن "محمد بيه" حتى دنوت منه، وقلت له بصوت مسموع:
ـ هو لسه في كدة!!!

لم يرد ولم يجرأ أن يعقب منكسراً، على عكس ما كان قبل 25 يناير حينما كنت أنا غير القادر حتى على إبداء امتعاضي.

ترقبت وصول حقائبي على السير المزدحم بالمنتظرين من ركاب طائرتي "الكويت والمنامة"، وكان رفاق الرحلة واقفين متجاهلين بعضهم البعض أعينهم فقط معلقة على منفذ وصول الحقائب كأنهم يوم الحشر.. كل في شأن يغنيه، زاحم "أبوهشام" القادم من المنامة الواقفين أمام منفذ خروج الحقائب منتظراً حقائبه وكلما وصلت إحداها يتلقفها مهللاً:
ـ أمسك يا هشام.
بدوره يضعها هشام على العربة، كلما أقبلت إحدى حقائبه على السير أعرف أنها تخصه لأن حقائب "أبوهشام" تختلف كثيراً عن مثيلاتها يميزها حبل غسيل بلاستيكي أحمر اللون مربوطة به، كأنها مدموغة ببصمته الوراثية.

حملت حقائبي بعد انتظار طويل مسرعاً لمغادرة موقف السيارات بالمطار، وقبل الولوج إلى الطريق الدائري كادت رأسي أن ترتطم بسقف السيارة تأثراً بهبوط العجلة الأمامية في "حفرة" تتوسط الطريق.. سابقاً إذا حدث لي شيء كهذا قبل 25 يناير أردد دوماً القول المأثور "هي دي مصر يا عبلة"، أما اليوم ابتسمت متمتماً : "مش مهم .. بكرة نصلحه".

لم يخلو طريق القاهرة ـ المنصورة من اعتداءات سافرة على الأراضي الزراعية ببناء بيوت هدمها الجيش لأناس لا يقلون فساداً عن نزلاء "بورتو طرة"، تجسدت ثورة 25 يناير بنجاحاتها وعثراتها .. عندما مررت بمبنى محافظة الدقهلية ورأيت على يمينها مبنى "مكتبة مصر" التي كانت تحمل سابقاً اسم "مكتبة مبارك" وكأن مصر كانت مختزلة في شخص مبارك.. تأملت الاسم ملياً وبالرغم من حذف اسمه بحكم قضائي إلا أن أثر اسم مبارك مازال واضحاً خلف اسم مصر.

قبيل بلوغ بيتي رأيت صورة لشاباً "زي الورد" معلقة في ميدان أصبح يحمل اسم "ميدان الشهيد محمد جمال سليم" شاب فقد حياته في جمعة الغضب ـ مات علشان مبارك يعيش ـ قرأت الفاتحة.. وانعطفت يميناً منشغلاً بظل مبارك على اسم مصر.

All Rights Reserved © Waleed AlZhairy - 2008/2012

عارفة ... مش عارف ليه !!! © 2008. Template by Dicas Blogger.

TOPO