لم أكن مهتماً على متن أي شركة طيران أعود لبر مصر خلال السنوات الأخيرة، تعاملت مع شركات عدة سعيت خلفها من أجل الجدية في المواعيد، الخدمة المتميزة، والسعر الأنسب، كانت تلك هي معايير اختيار شركة الطيران.. اليوم وبعد 25 يناير عقدت العزم على العودة إلى مصر المحروسة على متن شركتي الوطنية مصر للطيران، متجاوزاً ذكرياتي الأليمة معها حينما تأخرت أخر رحلاتي عليها لأكثر من ثلاث ساعات في انتظار ممل وخدمات متردية.وقفت في طابور طويل عريض لإنهاء إجراءات سفري، أشار الموظف المسئول في مصر للطيران على "كاونتر التشيك أوت" بطرف إصبعه لأحدهم الواقف بعيداً .. تابعت لمن هذه الإشارة كانت لرجل بدين يرافق أسرته.. بهذه الإشارة سلك وأسرته طريقاً مختصراً للوقوف أمام "الكاونتر" مباشرة، سمعت اثنان يتناجيان من خلفي يهمس الأول في أذن الثاني وهو يشير نحو الموظف المسئول وذلك البدين:
ـ الأتنين دول من الثورة المضادة!
أنهيت إجراءات سفري، وجلست في مقعدي بالطائرة مترقباً من سيرافقني رحلتي في المقعد المجاور لي.. أهل علي بسنواته الخمسين وشعره الأشيب، أمسك بكتاب أخرجه من حقيبته فور جلوسه منغمساً بين سطوره.. جذبني فضولي لمعرفة ما يقرأه، لمحت عنوان الكتاب عندما اتكأت برأسي فوق يدي وكان عنوانه "موسوعة تاريخ الإعلام السياسي في مصر".
أخرجت كذلك كتاب صديقنا عمر فؤاد لأتمم قراءته، يعتبر فؤاد أحد رفاق جلساتنا الثقافية التي نعقدها بين الحين والآخر في مكتبة "آفاق" بالكويت في معية الأب الروحي لهذه اللقاءات المدون أحمد البوهي وهو من هو في عالم التدوين، نلتقي كرفاق غربة واغتراب نتبادل الآراء والأفكار حول همومنا .. وهموم الوطن.
يتسم كتاب صديقنا فؤاد "عاد الوطن فإياك والبقشيش" بأنه حصيلة مجموعة مقالات نشرت تباعاً على موقع "السلطة الرابعة" مستعرضاً خلالها أحداث ثورة 25 يناير منذ بدايتها وحتى نهايتها، من أهم ملاحظاتي أثناء قراءتي لكتابه اليوم بأعصاب هادئة بعد زوال نظام أفسد الماء والهواء، أنني أعلم مالم يعلمه "الكاتب" وهو ينشر مقالاته اليومية .
رأيت فؤاد يكتب بانفعال وحماس اللحظة.. وخوفه على ثورة يخشى أن تنطفئ نارها بفعل مراوغات الرئيس بعد كل خطاب له، يكتب مقالاً كل يوم وهو لا يعرف ماذا سيحدث غداً !!! كان لهذا الإحساس أثناء القراءة لذة لا تضاهى، أشفقت عليه من توتره وخوفه على مستقبل طفلتيه ووطنه، وكم تمنيت أن أهاتفه حتى أقول له:
ـ أطمن يا عمر، مبارك أخد لقب الرئيس المخلوع :)
لمحت بعض الوجوه في الطائرة مشرقة فرحة بالعودة للمحروسة كل منهم يرتدي أجمل ما لديه في عيد المغتربين متهيئاً لاحتضان كل ما هو مصري.. فالإجازة بالنسبة للمغترب عن وطنه عيد ممتد يختلف عن عيدي الأفطر والأضحى يسعى خلالها للاستمتاع حتى موعد عودته من حيث آتى.
تابعت على الشاشة التي أمامي في الطائرة خريطة للوطن العربي كاملاً رُسم عليها خط سير الطائرة وهي كائن صغير يحلق فوقه، تأتي بعد ذلك صورة لخريطة أقرب والطائرة تشق طريقها فوق الجزيرة العربية يتبعها صورة أخرى أكثر تحديداً لطائرتنا وهي فوق إحدى المدن العربية، قرأت أسفل الشاشة المسافة التي قطعناها والارتفاع عن سطح البحر ووقت الوصول المتوقع، مرت بجواري المضيفة تدفع عربة أمامها ممتلئة بالجرائد اليومية، تلقفتها من بعيد مهللاً:
ـ الأهرام لو سمحتي.
حدث ذلك المشهد منذ سنوات في أخر رحلاتي على مصر للطيران، حيث كانت عناوين الأهرام آنذاك " مبارك: هدفنا في المرحلة الحالية المواطن محدود الدخل.. لابد من وصول الدعم لمستحقيه، 35 ألف فرصة عمل لمحاربة البطالة، 750 ألف وحدة سكنية للمتزوجين حديثاً، معدلات التنمية في ازدياد مضطرد.. السلع التموينية متوفر في الأسواق"، تأففت حينها من عناوين تفوق كذب "أبولمعة".
أما اليوم بعد 25 يناير تخلو الأهرام من تمجيد الرئيس المخلوع.. وحملت عناوينها "جمعة "الثورة أولاً" توحد القوى السياسية، الإخوان والسلفيون يتراجعون عن المقاطعة.. وجميع ائتلافات الشباب تشارك، مطالب القصاص للشهداء، وتطهير الحكومة تنتزع الأولية من "الدستور أولاً".
وخذني المضيف بكلماته لو سمحت المنضدة، سألني: تشرب أيه؟ بعدما وضع الإفطار أمامي، تابعت الشاشة لمعرفة أين نحن الآن أثناء شربي للشاي "علشان أحبس".. وكانت طائرتنا تحلق فوق "شرم الشيخ" نظرت من النافذة أسفل مني وجدتها مدينة لا تكاد أن ترى من فرط ضئالتها هي ومن كان فيها.
عند ملامسة عجلات الطائرة أرض مطار القاهرة صفقت طفلة في الخامسة من عمرها وهي تهتف "هيييييييييييييه" انطلق بعدها تصفيق حاد لكابتن الرحلة على هبوطه النموذجي، نهضنا جميعاً من مقاعدنا رغم التحذير بعدم النهوض حتى تستقر الطائرة في مكانها، عندما فتح الباب تنسمت هواء قاهرة المعز قبل أن أراها، وددت حينها أن لا أخرج زفيري محتفظاً بالمحروسة بين ضلوعي.
انطلقنا مهرولين لإنهاء إجراءات الوصول، قبل 25 يناير.. كنت أرى عند مغادرة الطائرة عشرات يحملون لافتات كُتب عليها أسماء بعض أصحاب الحظوة من الركاب لإنهاء إجراءات وصولهم سريعاً، بعد 25 يناير.. اثنان فقط يحمل كل منهما لافته عليها اسم أحد الواصلين مردداً اسمه بصوت مرتفع:
ـ محمد بيه.
يتبعه الآخر كأنه صداه:
ـ الأستاذة ألفت.
التقت عيني بعين من يبحث عن "محمد بيه" حتى دنوت منه، وقلت له بصوت مسموع:
ـ هو لسه في كدة!!!
لم يرد ولم يجرأ أن يعقب منكسراً، على عكس ما كان قبل 25 يناير حينما كنت أنا غير القادر حتى على إبداء امتعاضي.
ترقبت وصول حقائبي على السير المزدحم بالمنتظرين من ركاب طائرتي "الكويت والمنامة"، وكان رفاق الرحلة واقفين متجاهلين بعضهم البعض أعينهم فقط معلقة على منفذ وصول الحقائب كأنهم يوم الحشر.. كل في شأن يغنيه، زاحم "أبوهشام" القادم من المنامة الواقفين أمام منفذ خروج الحقائب منتظراً حقائبه وكلما وصلت إحداها يتلقفها مهللاً:
ـ أمسك يا هشام.
بدوره يضعها هشام على العربة، كلما أقبلت إحدى حقائبه على السير أعرف أنها تخصه لأن حقائب "أبوهشام" تختلف كثيراً عن مثيلاتها يميزها حبل غسيل بلاستيكي أحمر اللون مربوطة به، كأنها مدموغة ببصمته الوراثية.
حملت حقائبي بعد انتظار طويل مسرعاً لمغادرة موقف السيارات بالمطار، وقبل الولوج إلى الطريق الدائري كادت رأسي أن ترتطم بسقف السيارة تأثراً بهبوط العجلة الأمامية في "حفرة" تتوسط الطريق.. سابقاً إذا حدث لي شيء كهذا قبل 25 يناير أردد دوماً القول المأثور "هي دي مصر يا عبلة"، أما اليوم ابتسمت متمتماً : "مش مهم .. بكرة نصلحه".
لم يخلو طريق القاهرة ـ المنصورة من اعتداءات سافرة على الأراضي الزراعية ببناء بيوت هدمها الجيش لأناس لا يقلون فساداً عن نزلاء "بورتو طرة"، تجسدت ثورة 25 يناير بنجاحاتها وعثراتها .. عندما مررت بمبنى محافظة الدقهلية ورأيت على يمينها مبنى "مكتبة مصر" التي كانت تحمل سابقاً اسم "مكتبة مبارك" وكأن مصر كانت مختزلة في شخص مبارك.. تأملت الاسم ملياً وبالرغم من حذف اسمه بحكم قضائي إلا أن أثر اسم مبارك مازال واضحاً خلف اسم مصر.
قبيل بلوغ بيتي رأيت صورة لشاباً "زي الورد" معلقة في ميدان أصبح يحمل اسم "ميدان الشهيد محمد جمال سليم" شاب فقد حياته في جمعة الغضب ـ مات علشان مبارك يعيش ـ قرأت الفاتحة.. وانعطفت يميناً منشغلاً بظل مبارك على اسم مصر.




23 Comments:
تدوينه ...
بجد حستها جدا
وبأذن الله
هنقدر نبنيها تاني
انت بإحساسك ده زرعت فينا الأمل من جديد بعد ما قربنا نفقده في زمرة الأحداث اللي بتمر بيها البلد حالياً وياترى احنا رايحين على فين تفتكر احنا محتاجين كام سنة عشان نتعدل تاني ؟تحياتي وشكري
"مش مهم .. بكرة نصلحه"
لو كل واحد فكر بالمنطق دا وحاسه اوي .....ان شاء الله مصر هتتصلح في وقت قياسي
:-)
أنا - لظروف العمل - سافرتُ إلى القاهرة أكثر مِن مرة بعد الثورة، وفي كُل مرة كُنتُ أتنفس نسيماً مُختلفاً كان أجملهم هو أولهم، ثم تعددت الزيارات بعد ذلك وبدأ هذا الإحساس يقل بالنسبة لي كُلما زاد احتكاكي بالناس وقلت روعة الثورة وبهجتها شهراً بشهر :-)
كل عام وانت بخير
أملنا كبير
ومازال كبير
ولكن ما نـلاقى
كل يوم من الاعيب
ومكائد ودسائس تأخذ
جزءا من حلمنا واملنا
مش قلقانه وباذن اله خير وتدوينه حلوه كتير استمعت بيها
وباذن اله ناويه اقئها تانى من كتر اعجابى بها
السلام عليكم
ازيك يا عارفه .. مش عارفه ليه
الحمد لله بالسلامه اجازتك فى المنصوره
شوفى يا بنتى
كل الناس فاكره ان الثوره ماسكه عصا سحريه ..
يا بنيتى احنا قضينا 60 سنه من ايام ثورى 1952 واحنا فى الهم ده .. بالاضافه الى الـ 30 سنه اللى فاتم وكان الهم اكبر والظلم اكبر
عبد الناصر بالرغم من كل عيوبه كان وطنيا ويحب بلده ولكنه كان يحلم بمجد شخصى ومجد وطنى
السادات ايضا لانختلف على وطنييته ولكنه كان يريد ان يكون كبيرا للعائله
اما المخلوع دا ما لقيتش له حاجه حلوه ابدا .. كله على بعضه نقمه على شعب مصر
خدى بالك احنا محتاجين وقت .. لآننا كلنا تدربنا على العمل بطريقة مبارك والزمن رسم بصماته علينا .. عشان كدا مبارك راح وما فيش حاجه تلح علينا عشان نكون فاسدين .. والانسان بطبعه نظيف .. وطالما ليس هناك الحاح .. سننظف انفسنا ولكن عايزين وقت
عارفه ازاى ان ربنا احتفظ ببنى اسرائيل 40 سنه فى التيه عشان يتغيروا .. احنا برضه عايزين شويه عشان نتغير .. لكن الطريق مفتوح والقافله تسير .. شوية وقت
تحياتي لجمال مانثر هنا ،،،
ربنا يحمي أرض الكنانة و أهلها
مدونة الزمن الجميل يسعدها دعوتك إلى جديدها !
~
مقآلَه رآئِعه
وعًودة حَميدة الى مَصر
أهلآ أستآذي ذآ الأحرفْ الجَميله
دمتً بِخير
حمد الله علي السلامة
معلش متأخره بس لسه شيفاها دلوقتي كنت جاية اقولك غايب ليه ومختفي لاقيت تدوينة
من اجمل ماقريت
مصر نورت
مقاله جميله
وبكرة احلى بكتير ان شاءالله
تحياتى لقلم حضرتك :))
فعلا ذكرتنى بلحظات سعيدة عندما كنت أمر يوميا فى طريقى للجامعة وكان العمال يحاولون إزالة اسم مباركوبعد عدة أيام نجحو ووجدت اسم مصر كانت لحظات جميلة ..أشكرك على احساسك الرائع
صحيح نفس الاحساس اللي جه لصديقي العزيز مراكبي هو الاحساس اللي جالي على التوالي
لكن ان شاء الله اللي جاي احسن من اللي راح في كل الظروف
تحياتي
دائماً احكم على الكتابات بمدى قابليتها للتصور المرئي للقارئ ... لم أفقد الرؤية لسطر واحد وهذا يعني جمال التصوير اللغوي وكأنك أنت الكاتب
خبرات السفر ... قسمة ونصيب مرة كويسة ومرة متعبة
جميل أن تجتمعوا في الغربة وقد تكون غربتكم افضل لكم في التواصل عنا نحن المدونين داخل مصر
اتعجب من تسمية كل شئ يبنى باسم الحاكم وقت البناء من اول جمال لحد المخلوع ومراته
لو قرأت التعليقات لوجدت أن نور الثورة يخبوا ويتركنا هنا في مصر في ظلام دامس نتخبط الطريق
تحياتي .. تحياتي .. تحياتي
منذ زمن لم أقرأ مقال طويل بدون ملل نوهائي :))
برضوا لسه مختفي
:)
ثقافة الهزيمة .. عصابة البقرة الضاحكة 3
وأنا تقديري الشخصي لهذه العملية الخاصة بسعاد حسني أنه لم يكن ثمة ما يدعو لأقتحام الغرفة عليها أثناء وجودها مع ممدوح والأكتفاء بمواجهتها بالصور التي حصلنا عليها من عملية الكنترول خاصة وأن الأقتحام تم أثناء ممارسة أوضاع جنسية وكانت سعاد عريانة،
وأذكر أنه في مرحلة من مراحل العملية كانت سعاد وممدوح متغطيين بملاية وكان ذلك من ضمن الأسباب التي دفعت إلى التفكير في الأقتحام أنما هذا لا يمنع من أننا ألتقطنا لهم صور قبل ما يتغطوا بالملاية، وقد كانت هذه العملية الخاصة بسعاد حسني هي أول عملية نلجأ فيها إلى هذا الأسلوب في التجنيد وهو ضبطها متلبسة. ...باقى المقال ضمن مجموعة مقالات ثقافة الهزيمة ( بقلم غريب المنسى ) بالرابط التالى
www.ouregypt.us
عام مضى.... بكل ما فيه من اعمال خيرها و شرها .. جعل الله جميع اعمالنا مباركة صالحة .. وأن يغفر الله خطايانا و ذنوبنا..
و عام نستقبله بكلّ الأماني .. و تجديد النيّة فيه بان تكون جميع أعمالنا خالصة لوجه الله .... و العزم على التقرب لله تعالى .. في الصالحات من الاعمال و الافعال
اسمى آيات التهانى و التبريكات الى جميع الاخوة والاخوات ... و الامة الاسلامية و العربية .. بهذه المناسبة العظيمة .. جعلها الله سنة خير و بركة...
و نصر الاسلام و المسلمين ... في شتى بقاع الأرض
كـــــــــــــــــــــــــل عــــــــــام وأنتم بخـــــــــــــير
السلام عليكم ورحمة الله
تحية عطرة
اعتذار .. لأن التعليق خارج موضوع التدوينة
دعوة للمشاركة في مشروع مقروءاتي
للعام الرابع على التوالي
لمزيد من التفاصيل
http://qweary555.blogspot.com/2011/11/1432.html
دايما باحس ان مصر فيها حاجه حلوه
البوست كوم وكله حوم والجملة الرائعة ( فقد حياته في جمعة الغضب ـ مات علشان مبارك يعيش ـ قرأت الفاتحة.. وانعطفت يميناً منشغلاً بظل مبارك على اسم مصر ) كوم تاني دمت مبدعاً
البوست كوم و الجملة الرائعة : فقد حياته في جمعة الغضب ـ مات علشان مبارك يعيش ـ قرأت الفاتحة.. وانعطفت يميناً منشغلاً بظل مبارك على اسم مصر كوم دمت مبدعاً
، منتديات هويتك -
منتديات -
شات هويتك -
منتدى هويتك -
هويتك -
هويتك -
العاب هويتك -
العاب فلاشية -
العاب فلاشية 2012 -
الاوراق المتساقطة -
مسلسل الاوراق المتساقطة -
رمزيات بلاك بيري -
رمزيات بلاك بيري 2013 -
رمزيات -
روايات -
رواية -
حل تمارين -
حل اسئلة -
وظائف وزارة الخارجيه -
وظائف وزارة الخارجيه 1433 -
وظائف 1433 -
وظائف -
ملحقات الفوتوشوب -
فوتوشوب -
فساتين -
اسماء بنات -
صور
إرسال تعليق